
مصر والسعودية… تحول استراتيجي في معادلة الأمن القومي العربي
بقلم: أ.د. محمد علي مارم
إن توجه فخامة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لطلب تفويض برلماني يتيح التدخل دفاعا عن المملكة العربية السعودية، عند الضرورة وبناء على طلبها، يفتح الباب أمام قراءة استراتيجية تتجاوز حدود التضامن السياسي التقليدي، لتلامس احتمالات تحول نوعي في طبيعة العلاقات الدفاعية المصرية السعودية، وما قد يترتب عليه من إعادة تشكيل موازين القوى ومعادلات الردع في المنطقة.
فإذا ما تأكد هذا التوجه واتخذ مساره الدستوري والسياسي، فإن دلالاته لن تقتصر على العلاقات الثنائية بين القاهرة والرياض، بل قد تمتد إلى مفهوم الأمن القومي العربي ذاته، من خلال الانتقال التدريجي من التنسيق السياسي والتعاون العسكري المحدود إلى بناء التزامات دفاعية أكثر وضوحا، تستند إلى إدراك مشترك بأن أمن الدول العربية الكبرى لم يعد شأنا وطنيا منفصلا، وإنما بات جزءا من منظومة مترابطة تتأثر فيها مصالح الجميع بتهديد أي طرف.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور المصري باعتباره أحد المكونات الرئيسية للتوازن الاستراتيجي العربي، بما تمتلكه مصر من ثقل سياسي وعسكري وموقع جغرافي يربط أمن البحر الأحمر بقناة السويس والعمق العربي. وفي المقابل، تمثل المملكة العربية السعودية مركز ثقل اقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا في منطقة الخليج والجزيرة العربية، الأمر الذي يمنح أي تقارب دفاعي مؤسسي بين البلدين أبعادا تتجاوز الحسابات الثنائية إلى مستقبل التوازنات الإقليمية برمتها.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذا التحول لا تكمن في احتمالات التدخل العسكري المباشر بقدر ما تكمن في قدرته على إعادة صياغة مفهوم الردع الاستراتيجي، وإيصال رسالة واضحة مفادها أن التهديدات التي تستهدف سيادة الدول العربية وأمنها قد تستدعي استجابة جماعية تتجاوز الحدود الوطنية والحسابات التقليدية للتحالفات.
ومن هنا، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمآلات هذا التوجه.
أولها، ترسيخ الردع دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، من خلال توظيف الالتزام الدفاعي المشترك كأداة سياسية واستراتيجية لرفع كلفة التهديدات الإقليمية، ودفع الأطراف المعنية إلى إعادة حساباتها قبل الإقدام على أي تصعيد.
وثانيها، الانتقال نحو ترتيبات دفاعية عربية أكثر مؤسسية، تشمل التنسيق العسكري والأمني، وحماية الممرات البحرية والمنشآت الحيوية، وتعزيز أمن البحر الأحمر وباب المندب، بما يفتح المجال أمام صياغة إطار عربي أوسع للأمن الجماعي.
أما ثالثها، فيتمثل في احتمالات اتساع نطاق المواجهة الإقليمية، إذا تجاوزت الترتيبات الدفاعية حدود الردع إلى الانخراط العسكري المباشر، وهو مسار قد يفرض تحديات معقدة على الاستقرار الإقليمي، ويضاعف من صعوبة احتواء النزاعات القائمة.
وفي تقديري، يظل اليمن أحد أهم ميادين التأثر بهذا التحول المحتمل، بحكم موقعه الجيوسياسي الحاكم لمضيق باب المندب، وارتباط أزمته بالتوازنات الأمنية في البحر الأحمر والجزيرة العربية. ومن شأن أي تغير جوهري في معادلات الردع الإقليمي أن ينعكس على حسابات جماعة الحوثي ومواقف الأطراف الأخرى، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة اقتراب تسوية سياسية شاملة، ما لم يقترن التحرك الأمني والعسكري برؤية سياسية تعالج جذور الأزمة اليمنية، وتعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة وسيادتها ووحدة قرارها الوطني.
وعليه، فإن السؤال الاستراتيجي الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بحدود التعاون الدفاعي بين مصر والسعودية، وإنما بما إذا كانت المنطقة تتجه نحو بلورة منظومة عربية جديدة للأمن الجماعي، قادرة على حماية مصالح دولها وصيانة سيادتها، أم أنها تدخل مرحلة أخرى من إعادة تشكيل التحالفات والتوازنات في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
إن جوهر هذا التحول المحتمل لا يتمثل في التمهيد لحرب جديدة، وإنما في احتمال الانتقال من مرحلة كانت فيها التهديدات الإقليمية تواجه أساسا بالمواقف السياسية والتحالفات الظرفية، إلى مرحلة يعاد فيها تعريف الأمن القومي العربي بوصفه مسؤولية استراتيجية مشتركة، تستند إلى قوة الردع ووحدة المصالح وتكامل الإرادة السياسية.
ويبقى التحدي الأكبر هو قدرة العواصم العربية على تحويل هذا الإدراك الاستراتيجي إلى مشروع مؤسسي مستدام، يجعل من القوة وسيلة لحماية الاستقرار، ومن التضامن العربي قاعدة لصناعة السلام، لا مجرد استجابة مؤقتة لأزمات المنطقة المتلاحقة.
أ.د. محمد علي مارم
السفير اليمني السابق لدى مصر
عميد السلك الدبلماسي العربي
شيفيلد – 17 أكتوبر 2026



