أخبار

شهادة وفاء في وداعك ،،

جميعهم خذلوك،،،

  • شهادة وفاء في وداعك ( جميعهم،،، خذلوك)
    ————————————-
    أ.د محمد علي مارم

لم يكن اقترابي من فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي اقتراب موظف من رئيسه، بقدر ما كان معايشة يومية لرجل حمل أعباء دولة تتداعى، ووطن يمر بأخطر منعطف في تاريخه الحديث. ولذلك، فإن ما أكتبه اليوم ليس محاولة لتمجيد رجل، ولا لتبرئة مرحلة، وإنما شهادة أؤمن أن التاريخ يستحق أن يسمعها كما عشتها.

في صباح الخامس والعشرين من مارس 2015، كانت مؤسسات الدولة تتهاوى تباعًا، وبدا واضحًا أن الرئيس السابق علي عبدالله صالح قد سبق الانقلابيين الحوثيين الى عدن، كونه لا يزال يمسك بخيوط واسعة داخل الجيش والأجهزة الأمنية، وأن كثيرا من القيادات رأت أن موازين القوة قد حُسمت لصالحه. وفي تلك الساعات الحرجة، وجد فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي نفسه شبه وحيد، بعد أن غادر كثير ممن كان يُفترض أن يكونوا إلى جواره.

ورغم قسوة المشهد، لم أسمعه يوما يحمّل أحدا مسؤولية ما جرى، ولم يتحدث بروح المنتقم، بل كان يدرك أن الخوف الذي سيطر على كثيرين كان نتاج سنوات طويلة من هيمنة الواقع الذي فرضه النظام السابق. غير أن ما لم يدركه كثيرون آنذاك، أن إرادة الشعوب قد تغيّر مسار التاريخ، وأن الله يفتح من الأسباب ما لا يخطر على بال.

وفي تلك اللحظات الفاصلة، حين أصبحت سلامة فخامته مهددة بصورة مباشرة، اتخذنا مع عدد من الرجال الأوفياء ما استطعنا من إجراءات لحمايته في المعاشيق، و استدعيت عدد من الزملا في الجامعه لحراسة موقع تواجده في معاشيق. وما زلت أستحضر ذلك المشهد الذي لن يغادر ذاكرتي؛ رئيس الدولة يقف في صمت، يتأمل وطنًا ينهار أمام عينيه، واعداد كبيره تتجه نحو معاشيق ، هناك من ابلغها بوجود مخازن سلاح، وهي نفس الجهات التي ابلغت قادة المعسكرات، عليكم لبس لباس مدني فجرا و الاتجاه نحو جبل حديد لنهب الاسلحه ، قبل ان يتم توزيعها صباحا من قبل اللجنة الامنيه التي اجتمعت لعدة ايام و يوم ٢٤ مارس رفعت تقرير لفخامة الرئيس هادي عن كيفية الدفاع على عدن. وصلت تلك التفاصيل الى صالح ، و اتخذ قراره،.

تحدثت مع فخامته عندما بداء ملامح الغروب يتجلى ، سيدي الرئيس الاعداد تتجه الينا ، لا امان اصبح هنا باذن الله سنعود، بعد تكرارها مني، بداء شموخه يستجيب ،ثم يغادر المكان على أمل أن يعود إليه يوما، وهو ما تحقق لاحقًا بفضل الله.

وبينما كانت ساعات ذلك اليوم تمضي مثقلة بالقلق، بدأ تدخل التحالف العربي مع الساعات الأولى من فجر السادس والعشرين من مارس، لتبدأ مرحلة جديدة أعادت الأمل بإمكانية استعادة الدولة. ومنذ ذلك الوقت عدنا إلى عدن، وبدأنا، بتوجيه مباشر من فخامة الرئيس، العمل على إعادة بناء مؤسسات الشرعية من داخل المدينة، وتشكيل نواة الدولة، وإصدار القرارات التي أعادت للمؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية حضورها، بالتعاون مع نخبة من القيادات الوطنية التي حملت مسؤوليتها في أصعب الظروف.

وكان للأشقاء في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة دور محوري في تلك المرحلة، سواء في دعم العمليات العسكرية، أو في إعادة الحياة إلى عدن، أو في إعادة تأهيل مؤسسات الدولة، وهي جهود ظل فخامة الرئيس يقدرها ويثمنها في كل لقاءاته وتوجيهاته.

وحين عاد فخامته إلى عدن بعد التحرير، لم يعد بروح المنتصر على خصومه، وإنما عاد بروح رجل الدولة الذي أراد أن يعيد بناء المؤسسات، ويوحد الصفوف، ويمنح الشباب فرصة الانخراط في الجيش والأمن، ويعيد للدولة حضورها في كل المحافظات المحررة. وكانت تلك المرحلة من أكثر المراحل تنظيمًا وانسجامًا بين رئاسة الجمهورية والأشقاء في التحالف العربي.

غير أن المشهد السياسي لم يبق على حاله، فقد بدأت تظهر قوى جديدة وحسابات مختلفة، وتعقدت التوازنات، وأصبحت الشرعية تواجه تحديات من داخل معسكرها، كما واجهت تحدياتها من خصومها. وقد رفعت إلى فخامة الرئيس، بحكم مسؤوليتي، تقارير متتالية حول تلك المتغيرات، إدراكًا مني لما قد تؤول إليه الأوضاع، قبل أن أغادر مكتبه في عام 2016 بتعييني سفيرًا للجمهورية اليمنية لدى جمهورية مصر العربية.

ومن موقع الشاهد لا أستطيع إلا أن أقول إن الرئيس عبدربه منصور هادي كان صادقًا مع وطنه، وصادقًا مع القوى السياسية، وصادقًا مع الأشقاء في التحالف العربي. وقد يختلف الناس في تقييم قراراته أو اجتهاداته، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنه حمل مسؤولية وطن في ظرف استثنائي، وتحمل ما يفوق طاقة الأفراد، وآثر الصبر حيث اختار كثيرون الضجيج، والتسامح حيث كان الانتقام أسهل.

لقد خُذل مشروعه الوطني في أكثر من محطة، وتعرضت الشرعية التي قادها لاختبارات قاسية، حتى انتهت المرحلة بالتحولات التي عرفها الجميع. ومع ذلك، بقي الرجل وفيًا لقناعته بأن الدولة هي الملاذ الأخير لليمنيين، وأن السلام هو الطريق الذي ينبغي ألا يُغلق مهما اشتدت الحرب.

اليوم، وبعد رحيله، أشعر أننا لم ننصفه كما ينبغي، لا في حياته ولا بعد وفاته. وهذه الكلمات ليست إلا شهادة للتاريخ، أرجو بها وجه الله، وأؤدي بها أمانة عشت تفاصيلها عن قرب. رحم الله فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وشعبه خير الجزاء.

د محمد علي مارم
مدير مكتب رئاسة الجمهورية
ممثل القائد الاعلى لقيادة و تحرير عدن

٢٥ يوليو ٢٠٢٦
شيفيلد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى