مقالات علمية وسياسية

ورقة موقف سياسية حول مسؤولية المجتمع الدولي تجاه الانقلاب الحوثي وتداعياته الإقليمية والدولية

ورقة موقف سياسية حول مسؤولية المجتمع الدولي تجاه الانقلاب الحوثي وتداعياته الإقليمية والدولية

 

مقدمة:
من واقع الشهادة المباشرة والموقع السياسي والدبلوماسي، فإن ما جرى في اليمن منذ انقلاب الميليشيات الحوثية على الدولة في سبتمبر 2014، وما تبعه من تدخلات دولية، يكشف عن اختلال كبير في منظومة التعامل الدولي مع الأزمات، ويطرح تساؤلات عميقة حول جدية المجتمع الدولي في احترام مبادئ القانون الدولي، ودعم سيادة الدول، وحماية الأمن الإقليمي والدولي.

أولاً: شهادة على الفرصة الضائعة لإنهاء الانقلاب
بعد تحرير العاصمة المؤقتة عدن في يوليو 2015، كانت الفرصة مهيأة عسكريًا لإنهاء الانقلاب الحوثي عبر استكمال تحرير مدينة الحديدة، ثم استعادة العاصمة صنعاء. كانت الإمكانيات متوفرة، والإرادة السياسية لدى الشرعية قائمة، والدعم الشعبي حاضر، لكن التدخل الدبلوماسي بقيادة المملكة المتحدة – وتواطؤ بعض الأطراف الغربية – أوقف هذا التقدم العسكري تحت ذريعة “الاعتبارات الإنسانية”، وفرض اتفاقية ستوكهولم كإطار سياسي ملغوم.
هذا الاتفاق لم يكن سوى طوق نجاة للميليشيات الحوثية، التي استفادت من تجميد العمليات العسكرية، لإعادة التموضع، وتعزيز ترسانتها، وتوسيع نفوذها، حتى باتت اليوم تهدد الممرات المائية الدولية في البحر الأحمر.

ثانيًا: غياب الانحياز الدولي للشرعية والدستور
في تلك اللحظة الفارقة، لم يظهر أي دعم حقيقي من دول كـ هولندا – التي تدّعي التزامها بالقانون الدولي وحقوق الإنسان – للدولة اليمنية أو شرعيتها الدستورية. بل اكتفت تلك الدول بتمويل برامج إنسانية، وتقديم الدعم للمنظمات غير الحكومية، دون أي موقف سياسي واضح يدين الانقلاب أو يطالب بعودة مؤسسات الدولة.
وهكذا، تم تسييس الملف الإنساني، وتحويل معاناة الشعب اليمني إلى ذريعة لتعطيل مسار استعادة الدولة، وتكريس واقع الانقلاب، وخلق بيئة تسمح للمنظمات بالتحرك تحت مسمى “حقوق الإنسان”، في حين أن غياب الدولة هو الجذر الحقيقي لكل المعاناة.

ثالثًا: التداعيات الإقليمية والدولية – البحر الأحمر نموذجًا
اليوم، يدفع العالم كله ثمن ذلك التهاون الدولي. التهديدات الحوثية للملاحة الدولية في البحر الأحمر لم تكن مفاجئة، بل هي نتيجة حتمية للتراخي في التعامل مع الانقلاب من بدايته، والتماهي مع مشروعه، ومحاولة احتوائه بدلًا من إنهائه.
لقد أصبح البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم، رهينة لميليشيا مسلحة خارجة عن القانون، تموَّل وتُدار من قبل قوى إقليمية تهدد الأمن والسلم الدوليين. وكل ذلك، نتيجة لسياسات دولية خاطئة، أو ربما ممنهجة، لإعادة تشكيل التوازنات في المنطقة والعالم، ويدفع ثمنها اليمن وشعبه وكرامته وسيادته.

رابعًا: دعوة لتحمل المسؤولية الدولية
اليمن اليوم يدفع الثمن مرتين:
– مرة بسبب الانقلاب، وفشل المجتمع الدولي في إنهائه.
– ومرة بسبب التدخلات الدولية التي منعت استعادة الدولة، ثم غضت الطرف عن جرائم الميليشيا.

وعليه، فإن الدول التي تتحدث عن “الإنسانية” مطالَبة بتحمل مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية والسياسية تجاه اليمن، من خلال:
1. الاعتراف الصريح بأن اتفاق ستوكهولم فشل وألحق ضررًا جسيمًا بالشرعية اليمنية.
2. دعم استعادة الدولة ومؤسساتها، لا التعامل مع الميليشيا كطرف مشروع.
3. الوقوف مع الشعب اليمني في حقه المشروع في الأمن، والاستقرار، وكرامة العيش، لا الاكتفاء بإدارة الأزمة لأجل مصالح خفية.

الخاتمة:
إن ما يُقال عن “الحق” و”الإنسانية” في السياسات الدولية كثيرًا ما يكون حقًا أُريد به باطل. واليمن، الذي قاوم وحده أعتى انقلاب دموي في تاريخه الحديث، يستحق أن يقف معه العالم اليوم، لا أن يستمر في دفع الثمن وحده.

 

أ.د. محمد علي مارم
مدير مكتب رئاسة الجمهورية سابقًا
سفير اليمن لدى جمهورية مصر العربية
عميد السلك الدبلوماسي العربي السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى