مقالات علمية وسياسية

السيولة وسعر الصرف: قراءة في جوهر الخلل النقدي

السيولة وسعر الصرف: قراءة في جوهر الخلل النقدي

 

بقلم: د محمد علي مارم

في ضوء ما طُرح في الآونة الأخيرة حول تطورات سوق الصرف وشح السيولة، ومع تقدير أهمية العوامل السلوكية وتوقعات التجار والمضاربين في تفسير جانب من المشهد، فإن القراءة الموضوعية لواقع البنك المركزي اليمني تقود إلى خلاصة أكثر جوهرية، مفادها أن السبب الرئيسي لاختفاء السيولة لا يكمن في سلوك رجال الأعمال أو البنوك أو شركات الصرافة، بقدر ما يرتبط بغياب التطبيق الفعلي والمنهجي لأدوات السياسة النقدية الأساسية.

 

 

إن البنوك المركزية في مختلف دول العالم لا تكتفي بالمراقبة العامة للأسواق، بل تعتمد على منظومة متكاملة من الضوابط والإجراءات اليومية التي تمثل العمود الفقري لضبط السيولة، سواء داخل الجهاز المصرفي أو في سوق الصرف. وأي خلل أو تراخٍ في تطبيق هذه الضوابط يفتح المجال واسعًا للتقلبات، ويخلق بيئة خصبة للمضاربات والاختلالات.

 

 

ومن أبرز هذه الضوابط، الرقابة الصارمة على القوائم المالية للبنوك والمؤسسات المالية وشركات الصرافة، وإلزامها برفع تقارير يومية في نهاية ساعات العمل تتضمن حجم السيولة المتوفرة لديها، وحركة السحوبات والإيداعات، ومصادر الطلب على النقد. هذه البيانات اليومية تمكّن البنك المركزي من تكوين صورة دقيقة عن مواقع تمركز السيولة، وكمياتها، والجهات التي قامت بسحبها، سواء كانت تجارية أو مؤسسية.

 

 

كما أن من أساسيات السياسة النقدية الرشيدة التزام مؤسسات الدولة بإدارة حساباتها وفق إطار موحد وتحت رقابة البنك المركزي، وعدم فتح حسابات خارج المنظومة الرسمية بما ينسجم مع السياسة المالية للدولة. فالتشتت في الحسابات الحكومية، أو غياب التنسيق بين السياسة المالية والنقدية، يؤدي عمليًا إلى إضعاف قدرة البنك المركزي على التحكم بالسيولة وإدارة الطلب على النقد.

 

وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد على أن البنوك، وبالأخص البنوك الحكومية، تُعد من الأدوات الفاعلة والرئيسية التي تساند نجاح السياسات النقدية للبنك المركزي. إذ تمثل هذه البنوك القناة الأكثر أمانًا وانضباطًا لتمرير السياسة النقدية إلى السوق، سواء من خلال إدارة السيولة، أو تمويل النشاط الاقتصادي، أو ضبط حركة النقد. ومن الواجب على البنك المركزي دعم هذه البنوك بالسيولة النقدية بدرجة أكبر من غيرها، بما يعزز استقرارها ويمكنها من القيام بدورها الحيوي، ويحد في الوقت ذاته من الاعتماد المفرط على قنوات غير منظمة.

 

 

1- إدارة الاحتياطي الإلزامي المفروض على البنوك بما يحقق التوازن بين الامتصاص والضخ.

 

2- تنفيذ عمليات السوق المفتوحة عبر أدوات الدين قصيرة الأجل لتنظيم حجم النقد المتداول.

 

3- استخدام سعر الخصم وسعر الفائدة كأدوات توجيهية مباشرة لسلوك البنوك والائتمان.

 

4- تعزيز الرقابة المباشرة على أنشطة الصرافة والتحويلات وربطها بتقارير يومية إلزامية.

5- تحقيق التنسيق المؤسسي الكامل بين السياسة النقدية والسياسة المالية.

وبالتأكيد، توجد عوامل أخرى مؤثرة في سوق الصرف والسيولة، إلا أن جوهر المشكلة يظل متمثلًا في غياب التطبيق الصارم والمتكامل لأدوات السياسة النقدية. إن ضبط السيولة واستقرار سعر الصرف لا يتحققان بالتصريحات أو التوقعات، بل عبر مؤسسات قوية، وبيانات دقيقة، وأدوات نقدية فاعلة تُستخدم في الوقت المناسب وبحزم.

أ.د. محمد علي مارم
أستاذ العلوم المالية والمصرفية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى