عظمة بريطانيا لم تكن صدفة
بقلم: أ. د. محمد علي مارم
سفير اليمن لدى مصر السابق | عميد السلك الدبلوماسي العربي
المملكة المتحدة دولة عظيمة، وقد اختارت عمدًا مسار العظمة، ونالت عن جدارة لقب «بريطانيا العظمى» عبر قرون من القيادة الحكيمة والمبادئ الراسخة.
لقد صنع هذا الإرث قادة استثنائيون أدركوا تمامًا أن هذا اللقب يحمل مسؤوليات جسيمة، تتناسب مع مكانة الدولة البريطانية وثقلها العالمي. هؤلاء القادة سنّوا قوانين قائمة على العدالة والإنصاف والإنسانية، تحمي المجتمع البريطاني وتعزّز مكانة بريطانيا الأخلاقية على الساحة الدولية.
إرث من الرحمة والإنصاف
في ظل قيادتهم، أصبحت بريطانيا ملاذًا للذين يفرون من الجوع والاضطهاد والحروب والخوف. وشهدت سياسات اللجوء البريطانية على فهم عميق لكرامة الإنسان، وعلى إدراك أن الدول العظمى تتحمّل مسؤوليات إنسانية تتجاوز حدودها الجغرافية.
“كان هؤلاء القادة يدركون أن القوانين الإنسانية قد تتعرض أحيانًا لسوء الاستغلال من قبل قلة قليلة، لكنهم لم يسمحوا لتلك الحالات أن تُضعف التزام بريطانيا الأخلاقي. وهذا ما حافظ على سمعة بريطانيا لعقود طويلة.”
تحوّل مقلق في الخطاب
أما اليوم فنشهد تحولًا مقلقًا؛ فهناك أصوات جديدة — لا تحمل من إرث بريطانيا شيئًا، ولا تدرك عمقها الحضاري — أصبحت تؤثر على سياسات الهجرة واللجوء.
-
بعض هذه الأصوات تنتمي إلى خلفيات لا تمتلك النضج المؤسسي أو الثقافة السياسية.
-
تفتقر إلى التجربة التاريخية التي شكّلت الديمقراطية البريطانية.
-
رغم حصولهم على الجنسية البريطانية، إلا أنهم لم يستوعبوا بعد تقاليد هذه الدولة العريقة، ولا المبادئ التي وجهت قادتها عبر الأجيال.
إن السماح لهذه التوجهات بأن تعيد تشكيل التزامات بريطانيا الإنسانية، يعني الابتعاد عن القيم التي جعلت من بريطانيا دولة عظيمة.
العظمة مسؤولية قبل أن تكون لقبًا
الدولة التي تطلق على نفسها اسم «بريطانيا العظمى» يجب أن تواصل الحفاظ على المسؤوليات المرتبطة بهذا اللقب. هذه ليست مجرد خيارات سياسية؛ بل التزامات أخلاقية صاغتها قرون من القيادة المستنيرة.
ولا ينبغي لبريطانيا أن تسمح بإعادة تشكيل هويتها الإنسانية على يد أشخاص لم يفهموا القيم الوطنية التي ورثوها، ولا الأخلاقيات التي حكمت القيادة البريطانية عبر الزمن.
حماية الإرث البريطاني
بريطانيا عظيمة، وقادتها كانوا عظماء، وشعبها لا يزال يحمل هذه العظمة. ويجب ألا يتأثر هذا الإرث بسياسات ضيقة أو بأصوات تفتقر إلى الجذور الثقافية والفكرية التي تحفظ هوية المملكة المتحدة وقيمها التاريخية.
ولكي تبقى بريطانيا جديرة باسمها، يجب أن تظل وفية لـ:
-
العدالة والكرامة الإنسانية.
-
حماية المظلومين.
فهذه هي بريطانيا التي يحترمها العالم، وهي بريطانيا التي سيحفظها التاريخ.


